ابن رشد
34
الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة
المغرب ولا في الأندلس الذين ظلا محافظين على استقلالهما الفكري والمذهبي محافظتهما على استقلالهما السياسي . لقد بقيت الساحة الفكرية فيهما خالصة أو تكاد ل " عقيدة السلف " ، عقيدة أهل السنة في وضعها الأول ، قبل قيام المذهب الأشعري ( مذهب الدولة العباسية ) . وعندما قامت الدولة الأموية في الأندلس عملت في أول عهدها بمذهب أهل الشام ( موطن بني أمية ) ، مذهب الإمام الأوزاعي ، الذي لم يكن يختلف في شيء عن مذهب الفاتحين الأول من حيث اعتماد النقل والرواية . أما عندما اعتمد العباسيون في المشرق مذهب أبي حنيفة ( مذهب أهل العراق ) وظهر الإمام مالك بمظهر الخصم لدولتهم ، ليس فقط بمذهبه الفقهي ، الذي يعتمد الحديث وعمل أهل المدينة خلافا لمذهب أبي حنيفة الذي يعتمد الرأي ، بل أيضا ببعض مواقفه الشخصية السياسة الطابع ، التي عارض فيها العباسيين ، عند ذاك لم تجد الدولة الأموية بالأندلس مانعا من ترك المذهب المالكي ينتشر لتتبناه كمذهب رسمي للدولة . وهكذا أصبح فقهاء المالكية بالأندلس يمارسون سلطة ثقافية واسعة ويقومون بمهمة التأطير الإيديولوجي للرعية لصالح الدولة ، دولة الأمويين في الأندلس . - ومن هنا العامل الثالث من جملة العوامل التي كان لها دور رئيسي في تحديد المسار الذي عرفه التطور الفكري في الأندلس : يتعلق الأمر بالسلطة التي مارسها الفقهاء في ميدان العلم والتعليم . وحتى لا نقف عند حدود وصف هؤلاء الفقهاء بأوصاف جاهزة مثل " التزمت " ، فنحملهم مسؤولية " تضييق الخناق على الفكر الحر " . . . ونستريح ، نرى أنه لا بد من التنبيه هنا إلى الأهمية القصوى التي كانت للعامل الايديولوجي في المجتمع الإسلامي مشرقا ومغربا . لقد كان السلاح الايديولوجي من أقوى الأسلحة ، بل كان السلاح الأقوى الذي كانت الدولة والمعارضة معا تحرصان على امتلاكه والإمعان في استعماله . لقد كانت السيطرة الإيديولوجية والهيمنة الثقافية هي " الطريق الملكية " للسيطرة المادية . وهكذا فإذا وجدنا فقهاء المالكية في الأندلس ، وقد كانوا ايديولوجيي الدولة هناك ، يقفون موقفا متشددا من المذاهب الفقهية الأخرى والتيارات العقدية الكلامية والفلسفية التي كانت تفد من الشرق ، إما في إطار الاتصال الثقافي العادي الذي لم ينقطع قط ، وإما في إطار النشاط السياسي للدعاة ، سواء منهم الذين كانوا يعملون للدولة العباسية أو الذين كانوا ينشطون ضدها لحساب الحركة الشيعية والتيارات الباطنية - إذا كنا نجد فقهاء الأندلس يقفون بالمرصاد لهؤلاء وأولئك فيجب أن لا